أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

66

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

ورغم أنّ انتشار الفتوى كان محدوداً ، فإنّ عدداً كبيراً من المؤمنين ممّن كانوا قد انتموا إلى حزب البعث مكرهين أو مضطرّين راجعوا السيّد الصدر ( رحمة الله ) إمّا للتعرّف على الموقف العملي بعد أن علموا بحرمة الانتماء ، أو لبيان المبرّرات التي تجعل من غير الممكن خروجهم من الحزب ، فكان جوابه ( رحمة الله ) : « إنّ من يتمكّن من توفير مستلزمات حياته المعاشيّة عن طريق التجارة والعمل ، فيجب عليه ذلك » « 1 » . وكان يُجيب أولئك الذين لا تسمح لهم الظروف بالخروج من الحزب بأنّه : « يجب عليكم العمل من داخل الحزب لتفتيته بأيّ شكل ترونه مناسباً . . » . ومن الطبيعي أن يتسرّب خبر الفتوى إلى السلطة ، فبعثت جواسيسها لتسجيل الفتوى من لسان السيّد الصدر ( رحمة الله ) لإدانته بها فيما بعد ، ولم يكن السيّد الصدر ( رحمة الله ) حذراً من ذلك ، وقد طلب أحد العلماء منه أن يحتاط في الجواب ويقتصر على الأشخاص الموثوقين تماماً ، فكان جوابه ( رحمة الله ) : « لا ضير من ذلك ، فأنا أريد أن يعلم الجميع أنّ الانتماء لحزب البعث حرام ، ولتعلم السلطة بموقف المرجعيّة الرافض لحزبها وعقائدها » « 2 » . ولذلك فقد أتاه أحد مدّرسي اللغة العربيّة إلى مجلسه وسأله عن حكم الانتماء إلى حزب البعث بعد أن طُلب منه الانتماء إليه بوصفه موظّفاً وإلّا تمّ نقله ، وكان يهمس همساً ، إلّا أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) رفع صوته في المجلس وقال : « حرام الانتماء إلى حزب البعث » « 3 » . وكان البعض ممّن ينتمي إلى الجيش والدوائر الحكوميّة يسأله عن الانتماء إلى الحزب فيقول : « إذا كنت تستطيع أن تعمل بروح علي بن يقطين فلا بأس » « 4 » . ومن المؤكّد أنّ المردود الإيجابي لهذه الفتوى كان كبيراً ، بل أقلق السلطة وهي في أكمل مراحل قوّتها ، ولم تتمكّن من اتّخاذ ردّ الفعل المناسب الذي كان متوقّعاً في ذلك الوقت « 5 » . وقال أحد مسؤولي السلطة للسيّد الصدر ( رحمة الله ) إثر هذا التحريم : « إنّ تحريمكم الانتماء لحزب البعث يكفي لإدانتكم وإنزال عقوبة الإعدام بحقّكم » « 6 » . ومن أمثلة انعكاس هذه الفتوى ما حدث في إحدى المدارس الثانويّة في مدينة ( الثورة ) ، حيث طلب الاتّحاد الوطني للطلّاب من الطلّاب غير المنتسبين إلى الحزب الانتسابَ إليه ، ولكنّهم رفضوا ذلك استناداً إلى فتوى السيّد الصدر ( رحمة الله ) . وطُلب مجدّداً من الطلّاب الانتساب ، ولكنّهم رفضوا ، ووجّه أحدهم إلى رئيس البعثيّين لكمة على وجهه ، الأمر الذي أدّى إلى حدوث اضطراب في الثانويّة واستدعاء شرطة النجدة التي سرعان ما انسحبت عندما تجمّع الأهالي .

--> ( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 60 . وانظر : الشهيد الصدر أوّل من يحرم الانتماء لحزب البعث ولو صورياً ، الشيخ النعماني ، مجلّة الحوار السياسي ، العدد ( 28 - 29 ) ( 2 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 61 ( 3 ) مقابلة مع الحاج علي عبد الله الحلّي ، نقلًا عن صديقه المدرّس المذكور ( 4 ) خواطر محفوظة بدون سند ( 5 ) الإمام الصدر . . سيرة ذاتيّة : 79 ( 6 ) سنوات الجمر : 206 .